نقلاً عن جريدة “البديل“: گل هذا الارتياب في البدو
البيروقراطية المصرية ورثت عن المماليك الارتياب الشديد في البدو .. وورث البدو عن أجدادهم كل ذلك التاريخ
إذا أردت أن يعاديك بدوي اشتم أمامه السادات .. لأن البدو يحبونه بل ويعتبره البعض وليا من أولياء الله الصالحين
رغم محاولات البدو، وبعضها يبدو بائسا، لإسناد جذورهم إلي أصول عربية (الجزيرة العربية تحديدا) .. إلا أن كل ما أعرفه عن آل أبوفجر هو أنهم من قبيلة «ارميلات» التي تمتد مضاربها مع قبائل أخري، بين خان يونس شمالا والشيخ زويد جنوبا، كقاعدة لمثلث يصل رأسه أحيانا حتي يقترب من بئر السبع. ويعيشون علي هذه المنطقة منذ مائتي سنة تقريبا. أما قبلها فلا أعرف علي وجه الدقة من أين جاءوا ولا أين كانوا يعيشون. وهذا الكلام سوف يبسط الحكومة جدا لأن «أرميلات» سوف يزعلون مني جدا، وحين يقابلني أحدهم سيلومني: كيف يا زلما مش إحنا. جينا من السعودية؟ لا يهمني من كل الحكاية غير أن أجدادي حتي الجد العاشر، ولدوا وماتوا في هذه المنطقة، أما قبلها فلست مهتمًا كثيرا بالمكان الذي جاءوا منه. ربما يكونون قد جاءوا مما يعرف اليوم بالسعودية أو الأردن أو حتي من منطقة حوران. وربما من العراق. أو من مكان ما بالقرب من وادي النيل، إذ كثيرا ما كانت المعارك تنشب بين اثنين من قادة المماليك، فيستعين كل منهما بواحد أو أكثر من قبائل البدو. ولما تنتهي المعركة يرتفع شأن المملوك المنتصر وشأن حلفائه. أما القبائل حليفة المهزوم فترتد إلي الصحراء، وقد يكون هذا ما حصل مع أجدادنا الأوائل فاختاروا هذه المنطقة المنزوية علي الحدود بين مصر والشام ليعيشوا فيها بعيدا عن المملوك المنتصر.
وهذه التحالفات، مثل كل الأحلاف السياسية، تتغير بسرعة، فحلفاء الأمس قد يصيرون أعداء اليوم، إلا أن حقيقة واحدة ظلت تربط المماليك بالبدو، وهي الارتياب الشديد من قبل كل طرف في الآخر. ورثت البيروقراطية المصرية عن المماليك كل ذلك الارتياب، وورث البدو عن أجدادهم كل ذلك التاريخ.
كان للضباط الذين قاموا بالثورة ليلة 23 يوليو، بعض الخبرات التي اكتسبوها من الاحتكاك المباشر مع البدو، سواء أثناء حرب 48 أو بعدها حين كانوا في المعسكرات المقامة في سيناء. والطبيعي أن تنعكس تلك الخبرات علي العلاقة بينهم وبين البدو حين تسلموا السلطة. فالسادات مثلا نسج علاقات عميقة معهم أثناء خدمته كضابط إشارة في كامب رفح. وظل البدو حتي اليوم يحبونه ويذكرون خروجه الدائم من المعسكر وشرب القهوة العربية معهم. وهم إجمالا يأسفون لأن القدر لم يمهله حتي يروه حاكما (سيناء استردت سنة 82 والسادات استشهد في 81 والبعض منهم يشتط ويراه وليا من أولياء الله الصالحين، ويقول إنه رآه في المنام يمشي مع الرسول وهما يلبسان ثيابا بيضاء .. فإذا أردت أن يعاديك بدوي فاشتم أمامه السادات.
أما جمال عبدالناصر، وهو شديد الارتياب فيهم، وهو الارتياب الذي عبر عنه لصديقه هيكل، وذكره الأخير في حوار له مع «روزاليوسف» ويظل أنه، رغم هذا الارتياب، لم يستخدم معهم فيما أعرف، سياسة قمع شديدة. بل أظنه من أكثر فراعنة مصر الذين نجحوا في التعامل معهم. فقد استخدمهم كفدائيين وعيون للمخابرات وحراس حدود. وقصاصي أثر. وعمل لهم سلاح «حرس الحدود» يتدربون فيه لمدة ستة أشهر، مقابل ستة جنيهات في الشهر الواحد، كما أقام العديد من المدارس، وحاول زراعة مناطق بالخروع واللوز والعنب. وكلها علاقات ساعدت فيما بعد في أن يكون لهم دور في معارك الاستنزاف، وأكتوبر، وصفه فؤاد نصار، رئيس المخابرات المصرية ـ حينئذ ـ في حوار له مع صحيفة «المصري اليوم»، بأنه لا يقل عن عبور الجيش المصري واقتحامه خط بارليف.
يصف صديقي د. مهدي أبوشريف، وجدان المنطقة الممتدة من السويس غربا وحتي جنوب سوريا بأنه وجدان بئر سبعاوي، نسبة إلي بئر السبع، وهو بالنتيجة وجدان يحمل الكثير من الخيال الديني والقداسة ويحمل الكثير من تاريخ الصراعات وعدم الاستقرار وهذا واضح في رموز كثيرة يمكن النبش فيها مثل الأسماء التي يغلب عليها أنها مشتقة من مادة «سلم» مثل: سالم وسلمان وسليمان.. وكلها أسماء لا يمكن التعامل معها بعيدا عن تلك القداسة وعن تلك الصراعات فسالم هو إله القوافل الذي بنيت مدينة القدس لتكون بيتا له سنة 1900 (قبلها أو بعدها قليلا) وفي صحراء رفح ولد الجد أبوفجر، ولما شارف الأربعين تزوج من واحدة من بنات قبيلته تصغره بأكثر من عشرين عاما. ولأنه كان فقيرًا جدا فسوف يرحل ويقيم بالقرب من مدينة بئر السبع. وهناك سوف تنجح الزوجة في الرفع من شأن زوجها. كل سنة يستأجران أرضا يزرعانها شعيرا في الشتاء وبطيخا في الصيف، وبعد ثماني سنوات سيكون عنده خيمة كبيرة وأغنام وربما أرض. والأهم له أولاد وبنات، أحدهم اسمه سليمان. ومثل أي أب سوف يسأل ابنه: إيش ودك تصير لما تكبر يا سليمان؟ ثم يضحك حتي يرتمي علي ظهره والصغير يقول: قايد الجريش. ومن إجابة الصغير وبعيدا عن اللبس في النطق بين الجريش والجيش، نعرف أن التصادم في تلك المنطقة، كان هائلا بين العروش والجيوش (وفقا لتعبير هيكل) والحمد لله أن الطفل سليمان يريد أن يصير لما يكبر قائدا لجيش وليس ملكا علي عرش ولكن الأكيد أنه حين كبر انحاز، مثل ملايين العرب للحظة الناصرية بامتياز، وهو ما يعبر عنه: أن عبدالناصر خلّي الوطنية تمشي في عروقنا زي الدم وطبيعي أن تجري في العروق مع الوطنيين أحلام كثيرة منها أن يري أولاده وقد تخرجوا في الجامعة، وهو حلم إن لم يكن فوق طاقة الصحراء فتحقيقه عسير جدا فيها، ولكنه نجح مع الأول «اللي هو أنا»، وفشل مع الثاني «اللي هو محمد» فاكتفي محمد، رغم أنه أذكانا، بدبلوم التجارة، أما الثالث وهو أحمد فقد حصل علي البكالوريوس من كلية التربية الرياضية.
حين قبضوا علي أرادوا أن أري قدرتهم علي الإيذاء، فصادروا سيارتي، ولأن حقدهم كان كبيرا ضدي، فقد اندفعوا مثل الضبعة العمياء نحو أبي، بعيد الفجر قلبوا بيته، قبضوا علي أحمد ولفقوا له قضية إطلاق نار علي أحد أكمنة الشرطة، ولضبط أوراق القضية، ولمزيد من الإيذاء، ربطوا بينه وبين السيارة، فزعموا أنه كان يسوقها حين أطلق النار، رغم أنه لم يسق سيارة في حياته!!
Archive for the 'Press' Category
عن عمرو عزت :
امتنعت مطابع الأهرام بالسادس من اكتوبر عن طبع الطبعة الثانية من جريدة ” البديل “ اليومية و التي كان من المفترض أن تصدر فجر اليوم مع تغطية شاملة لحريق مجلسي الشورى والشعب الذي اندلع وقت مثول الطبعة الأولى من ” البديل ” للطبع .
و كانت ” البديل ” قد عنونت صفحتها الرئيسية في الطبعة الثانية بالعناوين التالية ” حريق ضخم بمبنى اللجان بمجلس الشوري يتمد إلى مجلس الشعب ” و ” احتراق مستندات عبارة الموت و قطار الصعيد و المبيدات المسرطنة في الحادث ” . وكانت قوات الأمن قد احتجزت مصور الجريدة و حطمته الكاميرا الخاصة به أثناء تغطيه للحادث المروع . كما حصلت ” البديل ” على صور خاصة توضح مراحل تطور الحريق وافردت لها الصفحتين الأولى والأخيرة من الطبعة الثانية وهو الأمر الذي ازعج المسئولين في مطابع الأهرام الحكومية الذين امتنعوا عن طبع 25 الف نسخة – طبعة ثانية – من الجريدة و قلصوا عدد الطبعة الاولى المرسلة للمطابع منذ الخامسة عصرا إلى 18 ألف نسخة فقط . وذلك بدعوى صدور تعليمات أمنية مشددة بمنع الطبعة الثانية من ” البديل ” .
من ناحية أخرى كانت ” البديل ” قد جمعت في طبعتها الثانية أراء العديد من الخبراء حول حريق المجلسين النيابيين . وناقشت الجريدة في طبعتها الثانية مسألة ” احتراق مباني أثرية تمثل رموز سيادة الدولة و فشل قوات الدفاع المدني و الجهات السيادية في السيطرة على النيرات حتى وقت متأخر من مساء يوم الحريق ” كما تسائلت ” البديل” في طبعتها الممنوعة عن مصير مستندات العبارة السلام 98 خاصة بعد حكم القضاء ببراءة المتهمين جميعا فضلا عن مصير ملفات أكياس الدم الملوثة و قطار الصعيد المحترق و المبيدات المسرطنة التي أدان القضاء فيها مسئولين كبار بالدولة . وكانت هذه المستندات محفوظة في المباني التي دمرها الحريق نهائيا .
تنشر ” البديل ” طبعتها الثانية في صورتها الالكترونية – على هيئة ملفات pdf – تشمل صور الحريق بمراحلة المتعددة وتغطية شاملة عن الخسائر في الأرواح والممتلكات والمستندات . كما تضم الطبعة الثانية أخبارا عن احتجاجات عمالية وشعبية في العديد من قرى مصر .
وكانت البديل في طبعتها الاولى قد افردت ” المانشيت ” الرئيسي لسلسلة المظاهرات التي اجتاحت مدن وقرى الصعيد والدلتا احتجاجا على سوء إدارة أزمات المرور والمياة وبعض المطالب الفئوية.
اعتقد ان الموقف دا كفيل بأنه يوضّح الحريقه مين اللي قام بيها و مين المستفيدين منها … ملاحظه احرى , الحريق بدأ حوالي الساعة 5:30 حتى الساعه 12 كان مساعد اول وزير الداخليه بيقول امامنا 3 ساعات و نكون سيطرنا على الحريق و نبدأ عملية التبريد , اعتقد ان لو بيحاولوا يطفوا نار جهنم يعني مش هيقعدوا يطفّوا فيها 7 ساعات مع العلم ان محافظ القاهره بلّغ ان قوات الإطفاء حضروا بعد ساعه و مكانش حضورهم كافي و دا رأي المحافظ اللي اكيد اقل من الحقيقه ..
الخلاصه مجلس الشورى ولّع بورق قضايا العبّاره و المبيدات و اكياس الدم الملوّث و قطار الصعيد و السبب عقب سيجاره او ماس كهربائي و اللي مش عاجبه يخبط راسه في الحيط ولا عزاء لقتلى العباره و القطار او الآلاف المصابه بالسرطان و صلي على اللي هيشفع فيك !!
الدكتور/ محمد السيد سعيد رئيس تحرير جريدة «البديل»
تحية ود واحترام وإجلال وإكبار.. فرغم العشم الكبير وخربشات الكتابة التي تشبه خربشات القطط والأولاد، يظل لكل مكانه الذي لا ينبغي عليه أن يتجاوزه، خاصة إن كان في مقابل من له كل هذا التاريخ وكل هذا النجاح وكل هذا الحضور..
- 1 -
من تحت عقب باب زنزانة، مساحتها «5.1 * 3 أمتار» تقريبا، لا يوجد فيها سواي يتسرب لي أحد أعداد جريدة «البديل» «الممنوعة في السجون المصرية»، أتصفحه بسرعة، وأتوقف أمام كلمة قالها يوسف إدريس في رثاء أمل دنقل، أقرأ وأقرأ.. وأعيد القراءة مرة واثنتين وثلاثًا.. فأحس أن فضاء الزنزانة يسير له امتداد الأفق، وأن الحياة، هي الأخري، تمتد إلي مالا نهاية.
وكنت عرفت، من زائري، أنك خصصت مساحتك «أول ضوء» للكتابة عني مرتين. ورغم أن الأوقات، في العادي تقاس بالساعات والأيام والشهور والسنين بل حتي بالقرون، إلا أن الزنازين علمتني أن هناك مقاييس أخري للوقت، هي صدور أحكام القضاء. فمنذ ذلك التاريخ، كتابتك عني، وحتي اليوم، صدرت خمسة أحكام قضائية بالإفراج عني، ومازلت حتي هذه اللحظة، أتنقل بين زنازين سجون مصر، مع اختلافات هي في الفارق بين مساحة كل زنزانة وأخري، ودرجة التعاطف التي تتبدي واضحة في عيون الحراس، ويترجمونها في صورة فرق في المعاملة بيني وبين المجرمين وسراق المال العام، رغم أن هؤلاء تتم التوصية بهم من «فوق»، بينما أنا تتم التوصية ضدي من نفس ذلك «الفوق».
- 2 -
أسوأ ما في الزنازين الانفرادية، ليس التبول في زجاجة ولا دخول الحمام لمرة واحدة في كل 24 ساعة ولأقل من دقيقتين، ولا في منع كل المخاليق عن زيارتك، بل عن معرفة مكانك، كما أنها ليست في نومك علي الأرض وبين القاذورات، ولا في عدم رؤيتك الشمس إلا في الحلم.
فكل هذه تفاصيل يتجاوزها بدوي مثلي، تربي علي شظف العيش وقسوة الصحراء، وعرفت جبروت السجن في أشعار جدي البدوية، التي كان يرسلها من وراء أسواره، قبل أن يطعن ويهوي ميتا، تلك الأشعار التي كانت أمي تغنيها لي قبل النوم، حينما كنت طفلا، ومازلت أحفظها حتي اليوم.
فالأسوأ في الزنازين الانفرادية، هو الفصل بينك وبين القراءة والكتاب، وفصل أشباهي عن القراءة المنظمة هو كفصل الإبل عن الماء، قد تصبر علي العطش، أياما أكثر مما تصبر غيرها من الحيوانات، ولكنها في الأخير تهوي نافقة.
- 3 -
في يناير 2007 صدرت «طلعة البدن» روايتي الأولي عن دار ميريت، وفرحت طبعا بكثرة ردود الأفعال من القراء والنقاد. ولكن فرحة الكاتب الحقيقية، ليست في كثرة ردود الأفعال، إنها…. وأترك الكلام ليوسف إدريس في الكلمة التي أشرتُ إليها في البداية.
«يرسل الشاعر الإشارات تلو الإشارات، والقصائد تلو القصائد، والقصص تلو القصص والإبداعات والمسرحيات، والسيمفونيات والباليهات والندوات وفي عصره قد يسمع، يسمعه ربما كثيرون، وكثيرون جدا قد يرون رؤيته، ويتبنون عينه، ولكنه يظل لا يحس بأن أحدًا يشاركه الوسيلة، شعره، وصعب تماما أن نتواصل نحن معه فليس لدينا الوسيلة له، فنحن نراه وهو لا يرانا، ونحن نسمعه وهو لا يسمعنا، وقد نهتف له ونلوح ولكنه يهز رأسه وكأنه يقول إنكم تلوحون لي وتهتفون علي الشيء الخطأ، فليس هذا ما أريد قوله… أنا أريد… ويخرج لنا قصيدته أو قصته الجديدة.
كتبتُ الرواية الثانية «كمائن متركة» ولكن الهابوش والناموش اقتحم شقتي، وصادروا كل المسودات، ولكن الحمد لله أن الكاتب لا ينسي ما كتبه، إلا بعد أن تلفظه المطبعة. ولما يراه في كتاب، يفرح به يوما أو يومين، أسبوعا أو أسبوعين ثم «……..» وأعود ليوسف إدريس: «ليس هذا ما أريد قوله.. أنا أريد.. ويخرج لنا قصيدته أو قصته الجديدة».
- 4 -
لم أكن أعتقد أن كتابا، عدد صفحاته أقل من 140 صفحة، قادر علي تهشيم وطن، أو تدمير منظومة أخلاق، أو هدم دين من الأديان، وكنت ومازلت أري أن دينا أو أخلاقا أو وطنا، يهدمها كتاب أو عشرة أو مائة، هي أديان أو أوطان أو أخلاق، لا تستحق أن تبقي ولا تستحق أن يدافع عنها وانطلقت الألسن ضد الكتاب، وكانت البداية، حين بدأنا في سيناء نضالنا المدني السلمي للإفراج عن معتقلينا، فقام أشخاص من البدو، يرتبطون بعلاقات مع أجهزة ليست فوق مستوي الشبهات، بالتشهير بالكتاب، بين القبائل والعشائر في سيناء، بدعوي أن الكتاب يسيء إلي البدو، وينعتهم بأوصاف ليست فيهم. وكنت ومازلت أعتقد أن ذلك التشهير كان إسفينا، يوضع بيني وبين أهلي وناسي، كفرشة في إطار خطة التمهيد لوضع السكين علي رقبتي، بسبب الدور الذي أديته في إسنادهم، أثناء نضالهم العادل للإفراج عن معتقليهم.
لو كنت أعيش في كارولينا ولي شعر أصفر وعيون زرقاء، لكنت قمت بالدور نفسه، ولو عاد التاريخ بي إلي الوراء لقمت أيضًا وأيضا بالدور نفسه، فنضالي ليس له علاقة بكوني بدويا، بقدر علاقته بأن هناك هما إنسانيا، يتمثل في عذاب آلاف الأمهات والأباء والأطفال والطفلات، جراء اعتقال فلذات الأكباد وعواميد البيوت، من أبناء وآباء وأزواج، ومثلما نمت علي رصيف ميدان التحرير بين صفوف حركة كفاية، نمت تحت خيمة بدوية علي مثلث شبانة بين صفوف البدو…
وحين تحركت عقول مصر، ترفض قرار وضع السكين علي رقبتي، وأدان قرار حبسي كُتاب من طراز، محمد السيد سعيد، وصنع الله إبراهيم، وبهاء طاهر، وأحمد فؤاد نجم، ورءوف مسعد وعلاء الأسواني وعادل السيوي ومحمد هاشم وحمدين صباحي وعبد الحليم قنديل ومحمد عبد القدوس ويحيي القزاز وحمدي بو جليل وإيهاب عبد الحميد وإبراهيم منصور وبثينة كامل… وغيرهم وغيرهم مما لا يتسع المقام لذكرهم تفاجأت تلك الأجهزة، لأنها لم تكن تعلم بأن جذوري في سيناء، ورأسي يطل علي العالم من القاهرة، وقد كانت حساباتها أنني لستُ أكثر من شاعر بدوي، لا يتعدي صوته حدود مضارب قبيلته. فأطلقت فحيحها السام لتواري عورتها، ولتنشر الدخان حول مسرح الجريمة. والدخان ينطلق علي محورين:
المحور الأول: الرئيس غير مقتنع بأن أحدا يمارس دورا عاما بدون مقابل «المقابل كما يفهمه مادي طبعا» هذا ما قالته السيدة قرينته لأحد أساتذتها.
المحور الثاني: وهو طريق باتجاهين: الاتجاه الأول: يخرج مع الأنفاس التي ينفثها زئير الفتاوي، أن كل من يعترض علي الفساد والديكتاتورية هو «خوارجي».
الاتجاه الثاني: يخرج مع صوت البروجي، ومن بين الدبابير والنسور المعلقة علي الأكتاف، أن كل من يعترض علي الفساد والديكتاتورية، يلعب لمصلحة آخر وهذا الآخر كامن وراء الأكمة. وهو آخر هذه المرة يريد الدفع بنا نحو الفوضي. رغم أن السبيل الوحيد لتفادي تلك الفوضي، هو تضافر الجهود، للقفز بمصر نحو المستقبل، عبر عملية تغيير سياسي شامل، يعتمد معطيات ا



